كتاب جديد لطارق البشري

أصدرت دار الشروق مؤخرا كتاباً بعنوان "نحو تيار أساسى للأمة" للمستشار طارق البشرى، ويعرف الكتاب التيار الأساسى، باعتباره الإطار الجامع لقوى الجماعة والحاضن لها، وهو الذي يجمعها ويحافظ على تعددها وتنوعها في الوقت نفسه، فهو ما يعبر عن وحدة الجماعة من حيث الخطوط العريضة للمكون الثقافى العام، ومن حيث إدراك المصالح العامة لهذه الجماعة دون أن يخل ذلك بإمكانات التعدد والتنوع والخلاف داخل هذه الوحدة.

ويرى البشرى فى كتابه أن التيار يكون سائدًا عندما تكون لديه القدرة والصياغات الفكرية والتنظيمية التى تمكن من تأليف أكثر ما يمكن تأليفه من خصائص كل القوى والفئات الثقافية والسياسية والاجتماعية، فضلًا عن الطوائف والمهن والجامعات المختلفة ذات الثقل، ويكون سائدًا عندما تكون لديه القدرة أيضًا على وضع صيغة للتوازن بين مختلف القوى والجماعات، كما يوضح البشرى أن التيار الأساسى هو امتداد لحركة المشروع الوطنى العام الذى تمت بلورته عن طريق الاستخلاص من الواقع الحى للحركة السياسية والثقافية القائمة فى المجتمع

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

اصدارات جديدة








خوليو كورتثر*
ترجمة عن الإسبانية: أحمد يماني**


كان ثمة رجل يبيع صرخات وكلمات، وكانت تجارته رابحة، رغم التقائه أناسًا كثيرين يساومون في السعر ويطلبون تخفيضًا. كان الرجل يقبل دومًا وهكذا تمكن من بيع العديد من الصيحات إلى باعة متجولين وبعض التنهدات التي تشتريها سيدات من ذوات الأملاك وكلمات تصلح كهتافات وشعارات وعناوين وأفكار زائفة. أخيرًا عرف الرجل أن الوقت قد حان وطلب لقاء طاغية البلاد، والذي يشبه جميع زملائه، وقد استقبله محاطًا بالجنرالات والأمناء وفناجين القهوة

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

مبروك حنان فتحي



الأديبة حنان فتحي لها كلمة متميزة في علام الأدب , تسير بخطوات ثابتة ةحكمتها عوامل الكيف لا الكم وليال شرقية إصدار جديد عن دار الوفاء كتب مقدمته الناقد الكبير د. جابر قميحة , ولإن حنان متصالحة دوما مع الذات فإنها تكتب بقلم شفاف يرقص علي ضفاف نهر متدفق ومعها تغوص إلي عوالم صوفي وتبحر بلا مجداف ...مبرك لحنان ودائما علي موعد مع الكلمات

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

ما أبشع أن تكون ضعيفا المُـغَـــفَّــــلــــــ ة من روائع: أنطون بافلوفتش تشيخوف

altمنذ أيام دَعوتُ الى غرفة مكتبي مُربّية اولادي يوليا فاسيليفنا لكي أدفع لها حسابها

قلت لها: اجلسي يايوليا..هيّا نتحاسب..أنتِ في الغالب بحاجة إلى النقود، ولكنك خجولة إلى درجة انك لن تطلبينها بنفسك..
حسناً.. لقد اتفقنا على ان ادفع لك ثلاثين روبلا في الشهر
قالت: أربعين

قلت: كلا،ثلاثين..هذا مسجل عندي

كنت دائما ادفع للمربيات ثلاثين روبلا
حسناً،

لقد عملت لدينا شهرين
قالت: شهرين وخمسة أيام

قلت: شهرين بالضبط..

هكذا مسجل عندي..

إذن تستحقين ستين روبلا..

نخصم منها تسعة ايام آحاد..

فأنت لم تعلّمي كوليا في أيام الآحاد بل كنت تتنزهين معهم فقط..

ثم ثلاثة أيام أعياد
تضرج وجه يوليا فاسيليفنا،

وعبثت أصابعها بأهداب الفستان ولكن..

لم تنبس بكلمة

*******
واصلتُ:

نخصم ثلاثة أعياد،
إذن المجموع اثنا عشر روبلا..

وكانت كوليا مريضة أربعة أيام ولم تكن تدرس..

كنت تدرسين لفاريا فقط..

وثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحتْ لك زوجتي بعدم التدريس بع الغداء..

اذن اثنا عشر زائد سبعة.. تسعة عشر.. نخصم، الباقي ..هم.. واحد واربعون

روبلا.. مضبوط؟
احمرّت عين يوليا فاسيليفنا اليسرى وامتلئت بالدمع، وارتعش ذقنها..

وسعلت بعصبية وتمخطت، ولكن..

لم تنبس بكلمة

*******
قلت: قبيل رأس السنة كسرتِ فنجانا وطبقا..

نخصم روبلين..

الفنجان أغلى من ذلك،فهو موروث، ولكن فليسامحك الله!

علينا العوض

وبسبب تقصيرك تسلق كوليا الشجرة ومزق سترته..

نخصم عشرة

وبسبب تقصيرك ايضا سرقتْ الخادمة من فاريا حذاء..

ومن واجبك ان ترعي كل شئ،

فأنتِ تتقاضين مرتباً..

وهكذا نخصم ايضا خمسة..

وفي 10 يناير اخذت مني عشرة روبلات
همست يوليا فاسيليفنا: لم آخذ
قلت: ولكن ذلك مسجل عندي
قالت: حسناً، ليكن
واصلتُ: من واحد واربعين نخصم سبعة وعشرين..

الباقي أربعة عشر

امتلأت عيناها الاثنتان بالدموع..

وظهرت حبات العرق على انفها الطويل الجميل..

ياللفتاة المسكينة
قالت بصوت متهدج: أخذتُ مرة واحدة.. أخذت من حرمكم ثلاثة روبلات.. لم آخذ

غيرها

قلت: حقا؟ انظري،

وأنا لم أسجل ذلك!

نخصم من الاربعة عشر ثلاثة،

الباقي احد عشر..

ها هي نقودك يا عزيزتي!

ثلاثة.. ثلاثة.. ثلاثة.. واحد، واحد.. تفضلي

ومددت لها احد عشر روبلا..

فتناولتها ووضعتها في جيبها بأصابع مرتعشة..
وهمست: شكراً
*******
انتفضتُ واقفا واخذتُ أروح واجئ في الغرفة واستولى عليّ الغضب

سألتها: شكراً على ماذا؟
قالت: على النقود

قلت: ياللشيطان،

ولكني نهبتك،
سلبتك!
لقد سرقت منك!
فعلام تقولين شكراً؟
قالت: في أماكن أخرى لم يعطوني شيئا

قلت: لم يعطوكِ؟!

ليس هذا غريبا!

لقد مزحتُ معك،

لقنتك درسا قاسيا..

سأعطيك نقودك،

الثمانين روبلا كلها!

هاهي في المظروف جهزتها لكِ!
ولكن هل يمكن ان تكوني عاجزة الى هذه الدرجة؟
لماذا لا تحتجين؟
لماذا تسكتين؟

هل يمكن في هذه الدنيا إلاّ أنّ تكوني حادة الانياب؟

هل يمكن ان تكوني مغفلة الى هذه الدرجة؟

ابتسمتْ بعجز فقرأت على وجهها: يمكن

سألتُها الصفح عن هذا الدرس القاسي وسلمتها، بدهشتها البالغة، الثمانين
روبلا كلها..
فشكرتني بخجل وخرجت
تطلعتُ في اثرها وفكّرتُ:
ماأبشع أن تكون ضعيفاً في هذه الدنيا

alt


*أنطون بافلوفيتش تشيخوف (29 يناير 1860 - 15 يوليو 1904) طبيب وكاتب مسرحي ومؤلف قصصي روسي كبير، عد من كبار الأدباء الروس كما أنه من أفضل كتاب القصة القصيرة على مستوى العالم.


كتب عدة مئات من القصص القصيرة وتعتبر الكثير منها ابداعات فنية كلاسيكية، كما أن مسرحياته كان لها أعظم الأثر على دراما القرن العشرين.


بدء تيشيخوف الكتابة عندما كان طالباً في كلية الطب في جامعة موسكو ولم يترك الكتابة حتى أصبح من اعظم الادباء وأيضا استمر في مهنة الطب وكان يقول "ان الطب هو زوجتي والادب عشيقتي"
ومن اشهر مؤلفاته الشقيقات الثلاث وبستان الكرز.
من كبار الأدباء الروس كما أنه من أفضل كتاب القصة القصيرة على مستوى العالم.


كتب عدة مئات من القصص القصيرة وتعتبر الكثير منها ابداعات فنية كلاسيكية ، كما أن مسرحياته كان لها أعظم الأثر على دراما القرن العشرين، من اعماله القصصية نذكر:


فانكا - وفاة موظف - القناع وغيرها.

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

دلال البزري تطرح أسئلة البداهة الأصعب

إنها الكتابة باعتبارها الرؤية، التحديق اليومي، الإنصات الذي يلي السَّمع، altبحواس إضافية، قد يكون القلب بينها، والنقد بالطبع. انها المخيلة إذ تستعير من السينما ومن تجارب واقعية، بل من حسّ دعابة مُطعّم بأكثر من ثقافة. يفيض كتاب دلال البزري الأخير «مصر التي في خاطري» (دار الساقي) بذلك كله وأكثر، غير أن قراءته المتمهلة تغذّي خاطرتين أساسيتين، مع كل نقلة رشيقة من فصل إلى آخر، من «مصر الصوَر» إلى «النقاب والحصانة»، أو من «النساء والرجال: تحرّش لا حب»، إلى «المثقفون وجهاء بوهيميون».

ترتسم الخاطرة الأولى انتروبولوجياً، إذ يذكّر الكتاب بمقاربة علماء إناسة يدرسون قبيلة ما بالمعايشة، محاولين الاندماج في يوميات مجتمع لا يدّعون معرفته، اللهم في ما خلا ما جمعوه بالقراءة والتواتر. كأن البزري عايشت مصر هكذا عقداً من الزمن، تاركة لنفسها أحياناً أن تقع في فتنة البلد وناسه، كما لم تنكر عليها لحظات غضب أو يأس أو حتى انزواء.

في بدايات كتابها، تحكي البزري كيف أنها، طفلةً في عائلة لبنانية تدير مطعماً في المغرب، لطالما افتتنت بمصر من قبل أن تزورها أو تقيم فيها. وزادتها حباً زيارة الفريق الرياضي المصري للمصارعة إلى مطعم العائلة في الدار البيضاء: «كانوا رجالاً اقوياء، سعداء، وجذابين، تنضح منهم الثقة بالنفس وبالمستقبل، وجميعهم وسيمون يشبهون صلاح ذو الفقار». وطبعاً، وَسَم سطوع نجم جمال عبد الناصر مراهقة الكاتبة وبعض شبابها، شأنها في ذلك شأن جيل أو أكثر. غير أنها، حينما استقرت في مصر بين العامين 1999 و2009، تعرضت إلى «صدمة حضارية سلبية»، كما تقول، صدمة معكوسة من أن هذه البلاد التي كانت على لائحة الهجرة بالنسبة إليها، هي بلاد مهرولة نحو التراجع، نابذة للنساء وأصحاب الديانات الأخرى والغرباء: «غريبة بقيت في مصر، غربة لم أتوقعها، لم أقرأ عنها، غربة كأنها آخر مطاف الغربة، وقعها مثل فكرة توسّع حدود الكون، لا نهاية لها ولا شفاء منها».

ربما بسبب هذه «البرّانية» بالذات، تمكّنت البزري من طرح الأسئلة الأوّلية الأصعب. «غربتها» الطويلة في مجتمع انصهرت فيه وتورّطت في حبّه، بعدما احتكّت بمختلف فئاته، حفظت لها عيناً لا تسلّم بما تراه، عين متآلفة كفاية مع «بورتريه» القاهرة لتكون قريبة منها، بل غالباً مشارِكة في يومياتها بفاعلية لا افتعال فيها. لكنها أيضاً عين مستجدة كفاية لتتساءل في شأن تلك المرأة المنقّبة التي انصاعت لها النساء بعد صلاة الجمعة في جامعة الأزهر، يومَ التظاهرة لدعم فلسطين: ما هي ملامح وجهها؟ هل هي سلفية؟ إخوانية؟ من أي حي أتت؟ أتصاب عضلات وجهها وملامحه، تحت النقاب، بكسل فلا تعود تتحرك أو تعبّر؟ أتنشط عيناها فتختزل «كلام» وجهها؟

شاهدت البزري، و»جرّبت» بلا وجل، ملقية بالآراء والأحكام الجاهزة في سلّة أبقتها قريبة من متناولها، لأنها لا بد من أن تعود إليها فتقارن المعايشة بالمفاهيم، الأيديولوجيا بالحياة اليومية. لا بد من أن تعود إلى الأنا والآخر وما بينهما. هكذا، تخبر كيف ارتدت النقاب ذات ليلة ونزلت إلى الشارع برفقة صديقة محجبة لتشعر أنها... «دبّابة»! فالشعور بالحصانة، لا الثأر، هو ما داخَلَها فيما مشت منقّبة في شارع طلعت حرب-ميدان المتحرشين المفضل، مستلذةً عدمَ الاستباحة، بالنظر أو اللسان، أو حتى اللمس. غير أنها تعاود التفكير في النقاب كـ «موضة الرد» على العولمة والغرب، بالهوية الصارخة، فيما النقاب في رأيها «أنتي-موضة»، استئناف لما سبقه، أي الحجاب، وانقلاب على الحجاب أيضاً بما يؤهله لأن يكون، للمفارقة، استئنافاً للعطر الباريسي وسواه من رموز الموضة المتعولمة. تفكر وتكتب كيف أن هذه «المواجهة» تتم على جسد المرأة دون الرجل.

هكذا، ولأنها لم تسلّم بصداقاتها في مصر، ولم تحصرها في أشباهها من المثقفين أو الكتّاب أو حتى النساء الليبراليات المتعلمات العاملات، فإنها، عن سبق إصرار وانفتاح، والأهم عن فضول جميل، سمحت لنفسها بالملاحظة والاقتراب من مروحة بشرية مصرية ملونة، فخرج كتابها قوس قزح إنسانياً يحفظ، في الوقت نفسه، فرصة القارئ في رأي خاص.

وإذا كانت الخاطرة الأولى عن الكتاب أنتروبولوجية، فإن الثانية تذهب إلى عالم مختلف كلياً، عالم الأدب. فعلى رغم أن البزري لم تكتب رواية، ولا حتى نصوصاً بهذا المعنى، لكنها تسرد، بين لحظة تأملية وأخرى صنوها، المشاهدة. تروي، بين فكرة تستلّها من علم الاجتماع وأخرى تستعيرها من السينما المصرية التي «تنقل الواقع من دون أن تكون واقعية (...) تغازل الواقع (...) كأن هناك اتفاقاً ضمنياً بين المخرج والجمهور بأن ما يعرضه عليه هو الحياة السينمائية التي يخوض بها في يومياته، بصفته يقوم بتمثيل حياته»، كما تكتب.

وتحضر، ههنا، الروائية الإنكليزية جاين أوستن، لاسيما كتابها «الكبرياء والتحامل» على نحو خاص، حيث يتجلّى أسلوبها في بث رونق حيّ في التفاصيل التي تحيكها نسيجاً اجتماعياً ومشهدية كاملة للسردية الأساس: موضة عمرها قرنان، صنوف الأشغال اليدوية والأطعمة وآداب حفلات الشاي والسهرات. ومثلما تشرح جاين أوستن القُطَب المختلفة التي قد تبرع بطلتها في تطريزها، تفتح دلال البزري خزائن بطلاتها المصريات، مفنّدة أنواع الحجاب الرائج في مصر، من «السبانش» إلى العراقي و «السبور» والجلباب، ولا تنسى إشكاليات الأجساد والأذهان تحت كل ستر. فهذه صديقة تنتمي حركة جسدها إلى ماضيها اليساري، قبل أن يستقرّ القماش على رأسها على كبر. وتلك يرتاح جسمها إلى تاريخ احتجابه كتحصيل حاصل منذ البلوغ.

وقد تذهب البزري إلى توثيق على طريقتها الخاصة، من ضمن مشروعها الاستكشافي المصري. تشحذ أدواتها لهذه المهمة، معيدةً التفكير في التعريفات، راذلةً البداهة. فمتى، مثلاً، يصبح تودّد الرجل للمرأة تحرشاً؟ إذ ثمة تشابه كبير في ميكانيزمات السلوكين. وتوصلت البزري أخيراً إلى أن التحرّش «لا يولّد لقاء، إنه اقتراب وليس تقرباً، وليس تعبيراً وجودياً عن التوق إلى الجنس الآخر. التحرش، ويا للمفارقة، مرافق لحالة أخرى، هي الوحشة القائمة بين الجنسين».

تلوّن دلال البزري في خواطرنا مِصرَها، تاركة العنان لقصص مترو الأنفاق... لاختلافات وعود الحب على وجوه العشاق، المتنزهين على ضفاف النيل، عن «الكود الغرامي» في سلسلة المقاهي المتعولمة، وعن مَرتَعي الجيل القديم في «مقهي غريون» أو «اليوناني»... لأثر المرايا بين السلطة والمجتمع... لفكفكة ترسانة لغوية تدجج العبارات والمحادثات في مصر وتربطها بـ «الحل»، أكان الإسلام أم العلمانية أم الديموقراطية، لأن «شيئاً ما» هو دائماً الحل.

«مصر التي في خاطري» بدأ إنجازه قبل إنجاز الثورة المصرية. وقد يصح القول بأنه من الكتب المفصلية لـ «العاديات»، على الحدود بين تاريخين، إنه انطباع أخير قبل البدء من جديد. ولعله، بهذا المعنى، محطة قد يرغب المرء في معاودة زيارتها بينما تستقيم الثورة دولة.

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

الجديد في الشعر الجاهلي.. يبرّئ ساحة طه حسين


عن الدار المصرية اللبنانية صدر كتاب جديد بعنوان "الجديد في الشعر الجاهلي.. درة طه حسين الناصعة"، للكاتب المصري سامح كريم.
ينقسم الكتاب الذي يقع في 420 صفحة من القطع الكبير إلى قسمين كبيرين، يضم الأول التقديم والدراسة والتحليل، ويضم الثاني مجموعة من الوثائق، بينها نص كتاب "في الشعر الجاهلي" ونص مقال "نشأة الشعر الجاهلي" للمستشرق الانكليزي صامويل مرغليوث. ويضم الكتاب نصا ثالثا كتبه مرغليوث بعد تقديم طه حسين للمحاكمة بسبب الكتاب، ويبرؤه فيه من تهمة النقل، وهو مقال ينفرد به الكتاب بعد أن أمعنت أقلام كثيرة في تجريح طه حسين (1889 ــ 1973) والطعن في معتقداته، وهي اتهامات لاتزال تثار حتى الوقت الحالي. ويعد الجزء الأول من الكتاب الخاص بالتقديم والدراسة والتحليل إضافة إلى حقل الدراسات الأدبية، وهو جزء كبير يقع في 200 صفحة، وقف أمام كل التفاصيل التي أثيرت حول الكتاب وصاحبه وينقسم إلى ثلاثة أبواب، أولها الشك في صحة الشعر الجاهلي ودوافعه والشك في شعر شعراء الجاهلية، والباب الثاني حول نقد المفكرين والعلماء والنقاد للكتاب، والثالث يتناول تطورات البحث في قضية "في الشعر الجاهلي" ونتائجها. ويربط المؤلف بين كتاب "في الشعر الجاهلي"، ودعوة طه حسين إلى الإصلاح باعتبارهما جناحين متلازمين لدى حسين وبعض معاصريه ممن كانوا يرون أن التعبير الأدبي، نثراً كان أو شعراً، مرآة للحياة التي يعيشون فيها، وأنه ينبغي أن تناقش جوانب هذه الحياة سواء العقلية أو الدينية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية. ويؤكد الكتاب أن عميد الأدب العربي كان حاسما في ضرورة ألا ينبغي أن نطمئن إلى ما قاله السابقون ونأخذه من دون بحث أو تمحيص، بل يجب أن نناقشه ونشك فيه شكا علميا دقيقا باعتبار أن الركون إلى المتاح من دون مناقشته يؤدي إلى الجمود والتحلل، وهي الآفة التي ظل يقاومها فكرا وعملا.


  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

أطـلـس الماء .. أحدث إصدارات دار نـهـضة مـصـر لـلـنـشـر

ترى , كم مرة فكرنا بالفعل بإمعان فى موضع الماء ; تلك المعجأطـلـس الماء .. أحدث إصدارات دار نـهـضة مـصـر لـلـنـشـرزة الأزلية , والذى هوه نبع الحياة على سطح الأرض ؟ فنحن نستخدمه فى الاستحمام , وفى الشرب , وحتى فى الغذاء الذى نتناوله إذا ما وضعنا فى الاعتبار أيضا الكميات الهائلة المطلوبة لزراعة هذا الغذاء , فضلا عن أننا ننقل البضائع عبر الماء كما اننا نقضى عطلاتنا كى نستجم فى أماكن تطل على الماء , ونصطاد الأسماك من الانهار والبحيرات . ونحن بدون الماء , لن نستطيع أن ننشئ صناعة , أو نولد طاقة , أو ننشر كتبا أو نصنع ملابس .. ولمدى أهمية هذا العنصر الحيوى , فإننا نُرسل اليوم المركبات الفضائية بحثا عنه على الكواكب المجاورة , كما أننا نرى الشعراء يتغزلون فى جماله , وبه يتطهر المتعبدون قبل الصلاة . وعلى الرغم من كل هذا فنحن نتعامل مع الماء كما لو كان بإمكانه إدارة نفسه بنفسه .
الأ يؤكد كل هذا أنه ينبغى علينا ان نولى الماء مزيدا من العناية والإهتمام ؟ إن العالم اليوم , وكما سويضح لنا هذا الكتاب يشهد أزمة فى الماء على المستوى العالمى ; تتمثل هذه الأزمة فى أستمرار إنخفاض منسوب المياه الجوفية , وفى تلوث الماء بنسب خطيرة , وكذلك فى تلاشى بحيرات وموارد مائية من على سطح الارض . وهناك نحو 70 نهراً يؤدى الإسراف فى أستخدام مائها الى جفافها ; مما يعنى أننا لا يمكن أن نستهلك المزيد من مياهها . وفى الوقت الذى يحرم ما يقرب من مليار نسمه حول العالم من إمكانية الحصول على مصدر يوفر لهم ماء الشرب بشكل ثابت - هناك 2.5 مليار نسمة تنقصهم خدمات الصرف الصحى , الأمر الذى يهدد صحتهم وكرامتهم , ويُهدد أيضا الموارد المائية المحيطة بهم فى أغلب الاحيان .
ويحلل هذا الأطلس الذى صدر فى الوقت المناسب احدث القضايا المثيرة والطارئة بل ويقدم أحدث الأحصائيات . ويستعرض أيضا وجهات النظر المختلفة التى يتبناها المزارعون ورجال الصناعة وأرباب الأسر حول مصادر المياه المحدودة , ويبحث أيضا طبيعة المصدر من حيث حُسن وسؤ إستخدامه على السواء , بالإضافة إلى تناوله للمألة الشائكة فى كيفية إدارته على نحو عادل .
بعض مما كتب عن الكتاب :
يسعدنى إصدار هذا " الأطلس " بموضوعاته التى توصف بأنها واسعه النطاق , والذى قام بكل حب واهتمام مؤلفتان من ذوات العلم والمعرفة ; هما ماجى بلاك وجانيت كينج . وأنا أعلم أن هذا الكتاب سيزود القراء بالمعولمات - لكنى آمل أن يكون ملهمًا لهم أيضًا فينهضوا بأدوار إيجابية للحد من أزمة الماء . فنحن جميعًا نستطيع ان نقوم بهذا الدور .
(( مارجريت كاتلى كارلسون - راعية الشراكة العالمية للمياه , رئيس لجنة وضع أجندات المنتديات الأقتصادية حول المياه , وعضو المجلس الإستشارى للامين العام فى شئون المياه والصرف الصحى )).
- دليل لا غنى عنه لقضية فى غاية الأهمية (( نشرة الشبكة العلمية الطبية )) .
- كتاب يوحى بالبراعة من حيث المنظر (( منظمة أوكسفام لموارد التنمية )) .
- كتاب غاية فى الإفادة والجاذبية وجدير بالرجوع اليه (( مجلة الخبير الزراعى الجديد ))

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

"من أنتم".. كتاب ساخر يدعو نجوم الكوميديا للتتلمذ في مدرسة القذافي

وجّه كتاب "من أنتم؟" للكاتب المصري إيهاب طاهر دعوة إلى جميع نجوم الكوميديا العرب للتتلمذ على يدي زعيم الكوميديا الواقعية العقيد معمر القذافي، الذي لا يملّ من ترديد: "أنا مش رئيس دولة، أنا قائد ثورة.. من أنتم؟".
غلاف الكتاب الواقع في 160 صفحة من القطع المتوسط
واعترف مؤلف الكتاب الصادر عن سلسلة "كتابي" في 160 صفحة من القطع المتوسط بأنه كان أسيراً لكوميديا نجيب الريحاني، علي الكسار، إسماعيل يس، عبدالمنعم مدبولي، فؤاد المهندس، عبدالمنعم إبراهيم، الدكتور شديد، الخواجة بيجو، إبراهيم سعفان، علاء ولي الدين، محمد هنيدي، محمد سعد، سامح حسين، وغيرهم.. إلا أنه خرج من أسرهم جميعاً ليسقط في أسر كوميديا القذافي.
وأضاف: "القذافي يا جماعة محصلش، ما أظنش إنه فيه كوميديان بالطريقة دي، دي حاجة مش هتكرر أبداً، لا يمكن أن يكون منه اتنين أبداً".

ولفت إلى أن مجموعات كثيرة على "فيسبوك" أكدت أن القذافي لم يعد زعيماً للجمهورية الليبية، لكنه أصبح "زعيم سلاحف النينجا"، وطالبوا بتعيينه مشرفاً على "كوكب كوميديا في قناة سبيستون".

ورصد الكتاب تعليق شاب إماراتي يُدعى "نايف" قال فيه: "كنا نطلق النكات على حسني مبارك؛ لأنه في فترة حكمه مر عليه 4 رؤساء أمريكان، لكن هل تعلم أنه في عهد القذافي مر عليه 3 رؤساء مصريين؟".
عظمة ونرجسية مفرطة
ورصد الكتاب أيضاً نداءً أطلقه الطبيب النفسي الشهير د. أحمد عكاشة، أكد فيه أن "الخطبة التي ألقاها القذافي فور اندلاع الثورة تدل على نوع من ضلالات العظمة والنرجسية المفرطة، والتوحد مع السلطة والكرسي والذات، والالتصاق بالحكم على أساس أنه "مبعوث العناية الإلهية"، وكل ذلك يستدعي تشكيل لجنة طبية عالمية لإجباره على العلاج بشكل إلزامي".

وأشار الكتاب إلى العلاقة الخاصة التي تربط الزعيم الليبي بالمرأة، موضحاً أنه تزوج في مقتبل العمر من امرأة تدعى فتحية خالد، أنجب منها ابنه محمد ثم طلقها، وبعدها تزوج صفية فركاش وأنجب منها سيف الإسلام والساعدي والمعتصم بالله وسيف العرب وهانيبعل وخميس وعائشة.

وأوضح أن لجميع الرؤساء حرساً جمهورياً، بينما للقذافي حرس نسائي يرافقنه في كل زياراته وجولاته الداخلية والخارجية.. وهن نحو 400 فتاة يشترط فيهن أن يكن عذراوات، دون أن يدري أحد لذلك سبباً، وأنهن لا يتزوجن أبداً طالما أنهن في خدمته، ويطلق القذافي عليهن جميعاً اسم عائشة نسبة إلى ابنته.

وينتقل الكاتب من النساء إلى الخيام ليوضح "كان المحللون دائماً يقولون إن سر تمسك القذافي بالخيمة هو لفت الانتباه، وأنه يحب أن يعيش في الماضي متأثراً بحياته البدوية، وكانوا يقولون إن الخيمة كانت وسيلة سياسية ومغزى عبقرياً لمناضل يزعم ويدعي أنه ليس رئيساً لشعبه، بل زعيمهم الذي أعطى لهم السلطة"، ورأى آخرون أن اختيار الخيمة هو رمز للضيافة وتبادل الحوار بين أصحابها وضيوفهم في محاولة لحل المشكلات.

وأضاف الكتاب: كان القذافي يصر دائماً في أسفاره أن تكون خيمته معه، والتي تبلغ تكلفتها 300 ألف دولار، ويستغرق نصبها 4 أيام، وقام بتصميمها خبير هندي متخصص في التخييم.

وتابع: "وعن نوادر القذافي مع الخيمة إبان زيارته إلى يوغسلافيا أيام الرئيس تيتو أنه اصطحب معه عدداً من الإبل لترعى بجوار خيمته".. وتساءل: "بذمتكم فيه جنان أكثر من كده؟ ليه حق السادات لما سماه "الولد المجنون بتاع ليبيا"!.

وانتقل إلى رصد علاقة القذافي بحليب الإبل: "قالوا إن القذافي مدمن على حليب الإبل، وثابت علمياً أن هذا النوع من الألبان يحتوي على عناصر تقاوم السموم والبكتيريا والفطريات، وبه نسبة كبيرة من الأجسام المناعية المقاومة للأمراض وعلى رأسها مرض الشيخوخة".

وأضاف: لعل هذا هو السر في عدم خوف القذافي من أن يتعرض للموت بالسم، لذلك كان حريصاً على شرب لبن الإبل كل صباح، لكن حكاية أمراض الشيخوخة غير مقنعة مع سيل التخاريف التي يتحفنا بها في كل خطاباته منذ اندلعت الثورة الليبية، ومن ذلك تصريحاته بأنه "لولا الكهرباء لشاهدنا التلفزيون في الظلمة"، و"الفرق بين المرأة والرجل أن المرأة ترضع وتحيض وتلد، والرجل لا يرضع ولا يلد ولا يحيض". كما قال إن "شكسبير من أصل عربي واسمه "الشيخ زبير"، كما رأى أن "المرأة نوعان: ذكر وأنثى".

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS










بقلم: زيد الحلي

















اللغة أيقونة من عسل الكلمات



حضَرت جميع قصائد نزار قباني في أمسية المركز الثقافي العربي في أبي رمانه في دمشق لمناسبة ذكرى رحيله، إلا أحب قصائده وهي "بلقيس" القصيدة والحبيبة والزوجة.

وعندما نقلتُ ملاحظتي الى المتحدث الرئيس في الأمسية الأديب السوري محمد مروان مراد، عن سبب هذا الغياب لا سيما ان الحديث بمجمله كان عن سيرة الشاعر بكل انعطافاتها، وبلقيس أهم مثابة في تلك الانعطافات باعتراف الشاعر نفسه. كان جوابه بأنه يتفق معي حيث ان "بلقيس الراوي" لم تكن زوجة لنزار قباني الرجل، بل كانت ملهمة لنزار قباني الشاعر وهو الذي قال فيها عند استشهادها في بيروت في العام 1981:

بلقيس.. يافرسي الجميلة.. إنني من كل تاريخي خجول

هذي بلاد يقتلون بها الخيول..

سأقول في التحقيق: كيف أميرتي اغتصبت..

وكيف تقاسموا الشعر الذي يجري كأنهار الذهب

سأقول كيف استنزفوا دمها..

وكيف استملكوا فمها.. فما تركوا به وردا

ولا تركوا به عنبا..

هل موت بلقيس.. هو النصر الوحيد في تاريخ كل العرب؟

***

كان اتفاقه معي، صفحة أولى في اعادة استذكار ما تحدث به في تلك الأمسية التي حضرها جمع طيب من شعراء الشام ومثقفيها، بعد قناعتي بأن الأمر لم يتعد السهو غير المقصود!

وإذ، لم تخطر "بلقيس الراوي" على بال من أحيا ذكرى وفاة شاعر العشق الأول في حياتنا المعاصرة، فإن صورتها باقية في ذهني حتى اليوم، حيث شاهدتها قبل استشهادها بيوم واحد حين كنت في ضيافة الصديقين عبد الرزاق محمد لفته سفير العراق في لبنان، وحارث طاقة المستشار الصحفي في السفارة، أثر انتهاء مشاركتي في دورة "صحافة الغد" التي أقامها معهد "طومسن" للصحفيين العرب في بيروت.

كان ذلك يوم الأربعاء 14/1/1981 كانت "بلقيس الراوي" إحدى موظفات السفارة وتجاذبنا أطراف الحديث، ثقتها بنفسها كبيرة وعندما عرّفني عليها الصديق حارث طاقة قائلاً: "زميلتي في السفارة بلقيس الراوي زوجة نزار قباني" امتعضت، لكنها قالت بصوت خفيض: "انا هنا بلقيس الراوي الموظفة وليست زوجة نزار" ضحكنا، وحوّلنا الموضوع إلى دعابة.

كان جو بيروت شديد البرودة، وأزيز الرصاص وأصوات القذائف تُسمع بوضوح بل هي على محيط السفارة. إنها أيام حرب بيروت اللعينة! كانت السفارة كريمة معي من خلال استضافتها لزملائي المشاركين في الدورة، على دعوة غداء أقامتها على شرفي. لقد ألتف الزملاء حول "بلقيس الراوي" ومعهم أسئلتهم عن زوجها الشاعر، النجم. لمستُ زهوها بنزار مثلما لمستُ اعتدادها بنفسها.

تناول الزملاء العرب الطعام العراقي وسط الترحيب المستمر من قبل كادر السفارة. وأشهد ان "بلقيس الراوي" كانت مثالاً في الترحيب والرقي، حيث كانت تراقب جميع الضيوف بعين عراقية، هي والكرم توأمان. وانتهى طعام الغداء. ولم تنته أسئلة الصحفيين لبلقيس، وكان أبرز تلك الأسئلة عن ظروف زواجها من نزار.






























عائلة توفيق قباني


ولو روى أحد حكاية زواج نزار من بلقيس التي سأذكرها بعد قليل، فإن الكثيرين لن يصدقوها، فليس من المعقول أن يتزوج شاعر الحب والأنوثة والداعي إلى الحرية وصاحب الحرف الجريء في مخاطبة الجنس زواجاً (تقليديا) شبيها بزواج الآباء والأجداد، لكن هذا ما حصل بالفعل وهو وليدة الصدفة.. كيف؟

قال لي أحد جيران بيت عم بلقيس الذي كانت تتردد عليه بلقيس كثيراً وهو من قدامى سكان الأعظمية: اعتاد نزار في نهاية ستينيات القرن المنصرم على زيارة بغداد للالتقاء بأدبائها ومثقفيها، وكان من عادته في تلك الزيارات ان يقضي أيامه في بيت ابنة عمه المتزوجة من عراقي في منطقة الأعظمية، وكان لابنة عمه صديقة على مشارف الثلاثين من العمر تزورها باستمرار. امرأة ناضجة، جميلة القوام ذات خصلات من الشعر حصدت عليه حسد زميلاتها، لبقة في حديثها، صوت أنثوي، يحمل صدى محبباً في آذان سامعيه وتشاء الصدف أن تقع عينا نزار قباني الداخل في سنته 46 على صديقة ابنة عمه في أحد مساءات بغداد، ليطلق "كيوبيد" الحب سهامه، ليردي قلب نزار شاغل قلوب النساء قتيلاً.

وتحس ابنة العم بما اعتمل في قلب ابن عمها الخارج للتو من تجربة زواج فاشلة. لم تستغرق نظرات نزار وبلقيس سوى لحظات ليعتذر نزار. فهو على موعد مع صديقه الشاعر شفيق الكمالي.

وفي اليوم التالي وأثناء ألإفطار في باحة البيت البغدادي الجميل، يبدأ نزار في الحديث مستفسراً عن ضيفة الأمس، وتبدأ ابنة عمه بالحديث "هي ابنة السيد جميل الراوي، وهي تتردد على بيت عمها، المحاذي لنا واسمها بلقيس، وقد رفضت كل من تقدم لخطبتها، اعتدادها بنفسها كبير وهي مدللة عائلتها .. و.."، ويكتفي نزار بما سمعه وأخذ يوائمه بما أحس به بالأمس تجاه هذه الفتاة، لكنه لم ينبس ببنت شفة، وفي المساء قفل راجعاً الى بيروت.



























وبعد أربعة أيام، عاد نزار الى بغداد دون ان يخبر أحداً، وسط دهشة ابنة عمه وعائلتها. عاد ومعه حلم "بلقيس" وطلب المعونة في طلب يدها وباركت ابنة عمه رغبته وأثنت عليها وبدأ المشوار الصعب المتمثل بإقناع عائلة "بلقيس" بزواج ابنتهم من شاعر عُرف بقصائد (العشق الحرام). كما أن "بلقيس" سبق أن رفضت جميع من تقدم إليها. ويتم التوسط، وينجح الأصدقاء في لم شمل (دجلة وبردى) وتتم مراسيم الزواج في عام 1969 ويقضي العروسان شهر العسل في العراق، طافا خلاله عددا من المحافظات وأقيمت على شرفهما العديد من الدعوات كان من نتائجها زيادة وزن نزار قباني لأكثر من عشرة كيلوات، والذي يساوره شك في ما أقوله فليسأل شقيق الشهيدة بلقيس السيد إبراهيم!

في حديث بلقيس معي على هامش دعوة السفارة قالت إن نزاراً كان خصباً في نتاجه الشعري حيث أصدر خلال الفترة التي أعقبت اقترانه بها ستة دواوين. ثم توقف لمدة طويلة قبل ان يبدأ بإصدار دواوين جديدة. ان نزار قباني، يرى ان الشعر هو جسر من الكلمات الجميلة الذي نمدّه الى الآخرين وعندما لا يكون هناك جسر لا يكون هناك شعر. وتذكر بلقيس انها لمست من أحاديث نزار معها ان مصادره الشعرية الأولى (شامية) بامتياز، و"هو لن ينسى يوماً ياسمين دمشق ووردها وريحانها وحمائمها وسيمفونية الماء في باحات بيوتها القديمة وقاعاتها المطعمة بالصدف والفسيفساء".






























بلقيس


وغادرنا مقر السفارة، ومساء توجهت عائدا الى بغداد وفي اليوم التالي الخميس (15/ 1/1981) جاءني الخبر المؤلم: لقد استشهد الصديقان السفير عبدالرزاق وحارث ومعهما بلقيس الراوي و51 من موظفي ومراجعي السفارة أثر تفجير إجرامي للسفارة العراقية في لبنان.

هذه هي صورة "بلقيس الراوي" بقيت محفورة في ذهني ولا أظن أنني سأنساها مطلقا. نزار الصعب، السهل!

قال الأديب محمد مروان مراد من على منصة المركز الثقافي العربي في الشام، إن الحديث عن نزار قباني صعب وأنه يشبه الإبحار في عرض محيط شاسع صخّاب. وتأتي المشقة في الحديث عن نزار لأنه الشاعر المحلّق الذي انتظمت قصائده في عناقيد ملونة تركها في متناول الناس من كل جيل.

وتأتي الصعوبة أيضا من محاولة رصد أعمال الشاعر واستعراض المحاور العديدة التي دار شعره حولها والتأمل فيها واختزال مسيرة إبداع تواصلت لأكثر من نصف قرن.

وأجد أن الحق مع ما قاله الأديب محمد مروان، فقد حظي نزار بجماهيرية واسعة وأصبح بلبل الشرق المغرد، المتفرد لخمسة عقود من الزمن، واستطاع أن يقيم مدرسة جديدة في الشعر العربي، رسّخ بنيانها على أسس من الإيمان بالشعر، بما يمتلكه من قوة طاغية وجاذبية شديدة وعذوبة آسرة وهو القائل "إذا لم ينزل الشعر الى الشارع ولم يختلط بدم الناس ولحمهم وأعصابهم وأحزانهم ومدامعهم لا يكون شعراً".






























نجاة الصغيرة


وفعلاً ان نزاراً يكتب الشعر من شفاه الناس ويمرره على مصفاة الشعر ثم يعيده إليهم! ونزار مؤمن بأن الشعر يجب ان يبقى ماء جارياً لا ماء معّباً في زجاجات، والشعر عنده ليس ترفاً بل هو ضرورة اجتماعية لتحرير الإنسان من القهر والتخلف ولإستنبات أزهار الأمل الناضرة وضياء التطلع الى ألأجمل في أعماقه.

هكذا كان إيمان نزار بالشعر، ولذلك كان عليه كي يقدمه الى الآخرين، ان يشق درباً جديدة مختلفة عما عهده الناس على مدار السنين، فأقدم غير هيّاب متسلحاً بعناصر فنية غير مألوفة في الشعر قبلاً: لغة خصوصية، صورة مبتكرة، أسلوب جريء وموسيقى خلابة. ومن خلال عناصره الفنية غير الاعتيادية، أستطاع نزار قباني ان يحقق خطوته الأولى على تلك الدرب ويقدم للناس مجموعته "قالت لي السمراء" عام 1944 التي تميزت بمفهومه الجمالي الجريء. قدّمت تلك القصائد نزار كشاعر موهوب، أمتلك الحق في التعبير عن افتنانه بجسد المرأة وإقباله على الحياة وقدرته على التصوير الدقيق لما في داخله من حيوية ترفض الزهد الزائف والنفاق وإخفاء الطرب بكل ماهو جميل ومثير في الدنيا.

لقد دارت قصائد مجموعاته الأولى "طفولة نهد" 1948 و"سامبا" 1948 و"أنتِ لي" 1950 في نفس الدائرة وهي الاهتمام بجسد المرأة والتعبيرُ عن الفهم والرغبة التي تبلغ حد العنف والتوحش في الحبّ الجسدي والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة للجمال الأنثوي. لقد بلغت نشوة نزار بالحياة في هذه المجموعات حدّها الاقصى وبلغ سكُره بخمرة الجسد الرشيق الجميل حداً لم يصل اليه شاعر عربي آخر، وكل ذلك بألفاظ عذبة وموسيقى ناعمة منتقاة من تغريد الطيور وهسهسة الجداول واهتزاز الأغصان حين يهزها النسيم الرقراق!






























رسالة إلى نجاة


لم يترك نزار مرحلة من عمر المرأة إلا توقّف عندها ولم يدع لمسة سحر فيها إلا صورها بعدسة جوارحه السحرية. وراح يحكي مرة عنها، ومرة يتركها تصرّح عن مكنونها بنفسها. وقد بلغ احتفال نزار بالشعر حداً، حلم معه بـ "المدينة الشاعرة" التي تكتب أشجارها الشعر وأطفالها يكتبون الشعر، نساؤها يكتبن الشعر. من الشعر التقليدي الى العمودي. وليس جديداً القول إن نزاراً بدأ بكتابة الشعر التقليدي ثم انتقل إلى الشعر العمودي، وأسهم في تطوير الشعر العربي الحديث إلى حد كبير. وقد تناولت دواوينه الأربعة الأولى قصائد رومانسية. وكان ديوان "قصائد من نزار قباني" الصادر عام 1956 نقطة تحول في شعر نزار، حيث تضمن هذا الديوان قصيدة "خبز وحشيش وقمر" التي انتقدت بشكل لاذع خمول المجتمع العربي وتميز قباني أيضاً بنقده السياسي القوي، ومن أشهر قصائده السياسية "هوامش على دفتر النكسة" 1967 التي تناولت نكسة الخامس من يونيو/حزيران. وأنني مع الأديب المعروف عبدالعزيز المقالح في رؤيته للغة نزار حيث يرى ان اللغة في مفهوم نزار قباني ليست أداة توصيل جامدة تنقل المعنى عارياً وخالياً من الأضواء والظلال، وإنما هي كائن جميل يتم التعامل معه بانفعال صادق وإشراقة روحية تؤدي إلى استخراج ما في قراراته من معطيات إيقاعية وموسيقية، وأسلوبه في كتابة القصيدة لا يكاد يختلف كثيراً عن أسلوبه في كتابة المقالة او الرسالة والسيرة الذاتية.

ولنا أن نقول دون حذر إنه مسكون بالشعر إلى درجة يصعب معها تخليه عن شروط هذا الفن ومقوماته في كل ما يكتب على الرغم من وجود فوارق لا تخفى بين شعره ونثره أبرزها الانضباط الشديد في النثر والانطلاق الأشد في الشعر المفتوح على عوالم واسعة من الانفعال والعفوية والخيال.

رسالة للمطربة نجاة الصغيرة

وتأكيدا لما ذكره الأديب المقالح، أورد نصاً بخط الشاعر نزار قباني عبارة عن رسالة كتبها للمطربة نجاة الصغيرة من بكين عاصمة الصين، حيث كان هناك وقت إذاعة أغنية "أيظن" الشهيرة في ستينيات القرن المنصرم وهي مأخوذة من إحدى قصائده، وقد ظلت زوجته "بلقيس الراوي" تحتفظ بنسخة منها. قال فيها: "أيتها الصديقة الغالية .. لا أزال في آخر الدنيا .. أنتظر الشريط الذي يحمل أغنيتنا (أيظن) تعيش في الصحف .. في السهرات وعلى شفاه الأدباء .. وفي كل زاوية من الأرض العربية .. وأبقى أنا محروماً من الأحرف التي أكلت أعصابي .. يالك من أم قاسية يا نجاة .. أريتِ المولود الجميل لكل إنسان وتغنيت بجماله في كل مكان .. وتركت أباه يشرب الشاي في بكين، ويحلم بطفل أزرق العينين، يعيش مع أمه في القاهرة .. لا تضحكي يا نجاة إذا طلبت ممارسة أبوتي، فأنا لا يمكن ان أقنع بتلقي رسائل التهنئة بالمولود دون أن أراه .. فأنهضي حالا لدى وصول رسالتي، وضعي المولود في طرد بريد صغير .. وابعثي به الى عنواني .. إذا فعلت هذا كنت أما عن حق وحقيقة، أما إذا تمردت، فسأطلبك الى بيت الطاعة رغم معرفتي بأنك تكرهينه".

انتهت رسالة نزار للمطربة نجاة الصغيرة ويلاحظ فيها الأسلوب الذي أشار إليه الأديب المقالح.

وتأسيساً على ما جئت به في مستهل المقالة من حديث عن السيدة "بلقيس الراوي" زوجة نزار قباني التي كانت ملهمته في الكثير مما كتب من أشعار وجدانية وام ابنته "زينب" وابنه "عمر"، لا أجد ضيراً من الحديث عن بعض خصوصياته. ونبدأ بزواجه الأول، حيث تزوج بعد سنوات من انتسابه الى السلك الدبلوماسي السوري, بقريبة له هي "زهراء أقبيق", أم ابنه توفيق وابنته هدباء. وقد جاء زواجه بها في مرحلة البدء في إقلاعه نحو عالم الكفاح الصعب بسيف الشعر ونحو آفاق الشهرة وكانت زهراء "سيدة بيت", نمت وترعرعت في بيئة اجتماعية محافظة شامية تقليدية, وكانت اتصالات ورسائل "المعجبات" قد بدأت تنهمر على نزار انهمار المطر, من شتى أرجاء الوطن العربي, وكان نزار وسيما أنيقا رشيقا قويا رقيقا في آن, ولم تكن لدى زهراء قدرة تعينها على تحمل أن يكون زوجها لها ولغيرها, فكانت تسارع الى تمزيق رسائل المعجبات به وبشعره, ولم يكن ثمة مفر من تصادم الماضي بالمستقبل الآتي الأكثر تطورا وجمالا.. فانفصلا بالحسنى.






























مع بلقيس


وفي عقد الخمسينيات ارتبط نزار بعلاقة وطيدة, بحفيدة رئيس الوزراء السوري الأسبق "فارس الخوري", كوليت خوري, ابنة سهيل خوري, النائب الأسبق في المجلس النيابي السوري، وقد سجلت كوليت تفاصيل علاقة الحب العاصف التي جمعتها بنزار في روايتها الشهيرة "أيام معه" كان نزار هو بطل الرواية!

وقد شهد نزار في حياته الكثير من المواقف المحزنة، لعل أبرزها وفاة ابنه "توفيق" من زوجته الاولى وهو في السابعة عشرة من العمر مصاباً بمرض القلب وكانت وفاته صدمة كبيرة لنزار وقد رثاه في قصيدة إلى "الأمير الدمشقي توفيق قباني".

وفي عام 1981 استشهدت بلقيس الراوي في انفجار السفارة العراقية ببيروت الذي جئنا على ذكره سابقاً، وترك رحيلها أثراً نفسياً عميقاً عند نزار ورثاها بقصيدة شهيرة تحمل اسمها "بلقيس".

وبعد استشهاد بلقيس ترك نزار بيروت وتنقل في باريس وجنيف حتى استقر به المقام في لندن التي قضى بها الأعوام الخمسة عشر الأخيرة من حياته. ومن لندن كان نزار يكتب أشعاره.

لقد مات الشاعر الذي كان يكتب ليفجر الاشياء، فالكتابة عنده انفجار. كتب كي ينتصر الضوء على العتمة. كتب كي تقرؤه سنابل القمح وتفهمه الوردة والنجمة والعصفور والقطة والأسماك والأصداف والمحار. مات من حاول إنهاء عصر التخلف، ليؤسس عصراً جديداً من الورد. ويكفيه انه لم يكتف بالوقوف الخرس أمام المشهد الكارثي، بل تدفق شعره ينبه النيام ويستحث العزائم. أليس هو من قال: لقد راهنتُ على ديمقراطية الشعر فنجحت، وراهنت على بساطة اللغة فنجحت، وعلى وجدان الجماهير فنجحت، وعلى حرية المرأة وحرية الحب فنجحت!

وُلد نزار قباني في مارس/آذار عام 1923 وفي 30 أبريل/نيسان عام 1998 أذنت شمس نزار بالغروب، فطوى الطائر جناحيه إلى الأبد بعد أن أكد أن المنتصر الكبير كان الشعر والرابح الأول كانت الكلمات الجميلة .. رحم الله نزارا .. الإنسان الشاعر والشاعر الإنسان!

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

سيتعاطف القارئ مع حليمة، وسيقتنع بأن هذا الإرث ذنب في حقها، فبسببه كرهت الحب والزواج، بيد أن ما يربكها هذه الازدواجية في عواطف وتصرفات الأبوين.










عرض: هشام بنشاوي

















هكذا تبدأ الكتابة



رغم أن الرواية تناهز الثلاثمائة وثمانين صفحة من القطع الكبير، فقد كنت حريصاً على أن أنهي قراءة "عزّوزة" في وقت قياسي، فهي بخلاف تلك الروايات المملّة التي يغرق كتّابها في الحشو اللغوي والإطناب السردي، ولن أبالغ إن قلت بأنها أجمل ما كتبته الزهرة رميج على الإطلاق! مع أني أنفر- عادة - من الكتابات التي تنضوي تحت باب الأدب النسوي، حتى لا أتحسر، مرة أخرى، على وقت ضيعته في قراءة كتب لا تستحق الالتفات؛ كتب تتاجر بمعاناة المرأة، بدل أن توقظ شمعة في دربها المتعم.

تبدأ الرواية بحديث حليمة مع أمها عزوزة، قبل أن تلج غرفة العمليات، وتترك حليمة فريسة للقلق، بردها على سؤال الأب الميت، الذي يستعجل حضورها. إنها قادمة، ومن قبل، حين كان يزورها في المنام تجيبه بأن الوقت لم يحن بعد.

وينتقل الفصل الثاني من قاعة الانتظار إلى القرية، في ظهيرة يوم صيفي قائظ، حيث لا يصمد بشر ولا حيوان، وحدها الطفلة المدللة عزوزة عند البئر، وتنتابها الرغبة في السباحة في النهر، فتتذكر تحذيرات الفقيهة (زوجة أبيها)، لأنها لم تعد طفلة كما كانت، ثم تتفيأ ظلال شجرة التين المقدسة، التي تحوم حولها أرواح الأجداد، ونتعرف على علاقتها بأبيها، التي تختلف عن علاقات سائر إخوتها البنات والذكور بالأب، ثم صلتها الحميمية بزوجة أبيها، التي غلب لقب الفقيهة على اسمها، فكانت عزوزة محظوظة بأمّين، بدل أم واحدة، فزوجة أبيها (أولى زوجاته)، لم تكن تنجب، لأن رحمها يسقط الجنين في شهوره الأولى. ولعل القارئ سيستغرب هذه العلاقة المثالية، غير المعهودة بين ضرتين! ثم نتعرف على انجذابها الصامت إلى أحمد، صديق أخيها البكر عبدالرحيم، واختلاج قلبها حين تسمع صهيل فرسه عند زيارته لأخيها.

وفي ليلة سمر يعاتب الأصدقاء أحمد على أنغام "الكنبري" الحزينة، فيقترح الحلوف (الخنزير) أن يعدوا أغلى شاي، بالأوراق النقدية بدل الجمر، ويشرع في تنفيذ فكرته المجنونة ليتباهى بثروة أبيه، مما يدفع أحمد إلى أن يصارح صديقه برغبته في الزواج بـ "عزوزة"، وكان هذا الأخير يعرف مشاكله مع بنت خالته، التي كان يعاملها بقسوة، ليرغمها على أن تهرب من بيت الزوجية، ورغبة أمه في أن تزوجه ابنة خاله، مثلما كان يعرف أنه زير نساء.

حين لاح موكب الخطبة قادما، اختفت عزوزة، وأدهش الحاج الجيلالي تعبيرها عن رفضها الزواج بتلك الطريقة الجنائزية، بالتفرغ في الرماد، ولأن إرجاع جهاز العروس إلى بيت العريس نذير شؤم، وخوفا من موت العريس أو أحد أفراد عائلته.

يتوقف الموكب أمام بيت فيه بنات في سن الزواج، ويقسم والد عزوزة على جلدها، فيتدخل أخوها عبدالرحيم، ويقبل نعليه، ولم يتراجع عن قراره إلا عند قيام أبناء عمومته بذبح كبش فداء لعزوزة، التي يعلم الجميع أنه سماها على أبيه، فأنث الاسم الذي لا يؤنث (عزوز)، وأمام فعلتها لم يجد والدها إلا قبول أحمد زوجا، بينما تصر أمه على رفض الزواج، وتعاملها بجفاء، ويأتيها خبر وفاة والدها إثر إصابته برصاص المستوطنين الفرنسيين، ويموت الأخ قبل الأربعينية، بينما تستمر قسوة الحماة، بعدما أنجبت بنتين (حليمة ونوارة) على التوالي.

***

يعود السرد إلى قاعة الانتظار، وتتذكر حليمة ردها على عزوزة - هكذا كانت تناديها، منذ طفولتها - بأنها ترفض الزواج، حتى لا تكرر مأساتها، ويعذبها من تحبه العمر كله.

في الفصل التالي، بعدما ينفض السوق الأسبوعي بالمدينة يلج أحمد مبغى، مبررا خيانته بانشغال زوجته ببنتيها والأشغال المنزلية، وكذلك شجارها اليومي مع أمه.

في المبغى يرتبط بفاطمة، أو فاتي كما يدعوها الزبائن النصارى، بعدما علم أن حبيبته مريم تزوجت نصرانيا وصار اسمها ماري، وبفضل بنحمّادي - الذي صادفه هناك - سيتعرف على مسيو فرانسوا، ويصير شريكه في التجارة، فينتقل إلى العين الزرقاء، ليستقر بالدكان بدل التنقل بين الأسواق الأسبوعية، وفي بيتهم الجديد تضع عزوزة، وحدها، ابنا، بعد أن رفضت الحماة أن تبقى معها هنية، وبعد أن تسترد وعيها، تعلم بأنهم دفنوه، وتتهم حماتها بأنها السبب في قتل وليدها، إثر شجارهما.

وللتعرف على محيطها، تطلب من أحمد أن تخرج من البيت وحدها، لتزور مرجانة، زوجة بلخير حارس بيت فرانسوا، أما الحماة التي طلب منها أحمد أن تحل محله بالدكان ليعود إلى تجارته بالأسواق، فتعود إلى الاهتمام بأنوثتها، عند سماعها كلمات غزل من فرانسوا، فتعتقد أنه يحبها، وتنتظر بلهفة أن يعبر لها عن رغبته في الزواج، وجن جنونها حين رأته يلاطف حفيدتيها، فاختلقت كذبة علاقته بعزوزة، فانهال أحمد على زوجته بركلاته. هكذا تصير مرجانة الصدر الحنون والأم البديلة لعزوزة، بعد موت الفقيهة والأم وسائر الأهل غرقا، بسبب الأمطار الطوفانية، التي أدت إلى فيضان النهر.

وتعتبر ولادة حسن ميمونة، لأنه ولد مختونا، فضلا عن انتقالهم إلى بيت جديد، يضم مركزا تجاريا، ورغم أن عزوزة أنجبت الحفيد الذكر، فقد استمرت المشاكل بينها وبين حماتها، وفي المبغى يهجر أحمد فاتي، بعد أن علم بأنها مع زبون، حيث كان الاتفاق مع صاحبة المبغى (طامو) أن يدفع مقابل شهر، وتبقى له وحده، فتعرض عليه الحمرية، الفتاة الجديدة بالمكان، وحديثة العهد بالدعارة، بعد أن طلقها ابن عمها بسبب عقمها، وسرعان ما يعلن عن رغبته في الزواج منها، مثلما سيتمسك برفضه العودة إلى فاتي التي أحبته، مما كان يسبب الخلافات بينها وبين الحمرية، وهو ما ترفضه طامو، لأن المكان ليس للحب، وتعترض على فكرة زواجه، لأنها كانت تخشى أن تفقد زياراته، وأمواله.

أثناء قراءتنا للمتن للحكائي، سنلاحظ حضورا قويا لحليمة، وهي كما أشرنا سابقا تنادي أمها باسمها فقط، كما أن الرواية تحفل بالتفاصيل الدقيقة، المتدفقة في سرد انسيابي آسر، لذا أمارس الانتقاء، مركزا على أهم الأحداث. لكن هذا العرض لا يغني عن قراءة الرواية.






























الكاتبة الزهرة رميج


***

في ظل غياب أحمد بالمدينة، تنجب عزوزة بنتين توأما، ولكي يجعل بنحمّادي مخططه ينجح يقنعه بأن يجعل عزوزة تغادر البيت، حيث سيبلغها - وبحسن نية - محمدين عامل المطحنة بنية زوجها ذبحها، ويساعدها على الهروب، تاركة حليمة ونوارة، وفي الطريق، يصادفها بنحمّادي، الذي يخبرها بزواج أحمد الليلة، وكان بذلك يريدها أن تطلب الطلاق ليتزوجها، بعد أن يطلق إحدى زوجاته الأربع، وهو الذي كان يتحين الفرص لرؤيتها، كلما زار بيت صديقه. فتطلب منه أن يوقف سيارته.

تستقر عزوزة في بيت هنية، لكنها سرعان ما تتنازل عن كبريائها، وترضى بالعودة إلى بيتها - لأن لا أحد يتحمل أبناء غيره، ثم ضعفها أمام شوق حسن إلى أبيه وبكائه كل يوم - عند زيارة أحمد لها، وتقتنع بأن تمثيلية الذبح دبرها حتى يهنأ بليلة زفافه، وتتألم لوجودها، وتلجأ إلى استخدام سلاح أنوثتها، لكنها لا تدعه يلمسها. ولأن الحمرية لاحظت أن طبخ عزوزة يستهويه، تلجأ إلى إفساده، بوضع كمية كبيرة من الفلفل الحار، فتتشاجران، ويعاقبهما معا، بجلدهما بالسوط، وتلجآن إلى الهدنة.

***

يلتقي أحمد بماري، ويدبر اللقاء بنحمّادي، معلنا عن رغبتها في تبنى إحدى بناته، لتؤنس وحدتها، بعد أن صار زوجها مشلولا. يعلم أنها تزوجت نصرانيا عجوزا حتى لا تلقى نفس مصير طامو البائس، فهي تهيئ للرجال سبل المتعة وهي محرومة منها، بل إنهم يعافون جسدها.

تزوره ماري في بيته مع بنحمّادي وسائقها، الذي تقمص شخصية الزوج، لكن الحمرية تصارح عزوزة بشكوكها، ويرضخ أحمد لشرط انضمام عزوزة إلى الضيوف، بأن تعد الشاي في حضورهم، حتى يتسنى لها أن تراقب خفية ما يحدث من حولها، فتلاحظ أن نظرات زوجها مسلطة على ماري في جلستها الفاضحة، بتنورتها القصيرة، بينما صديقه بنحمّادي يتلهمها بعينيه، دون أن ينتبه زوجها.

كان مخطط بنحمّادي، الذي باء بالفشل، أن تستفزها تصرفات زوجها، فتصر على الطلاق، ويحقق أمنية بنحمادي أمام الضيوف. وتنتهي الليلة باعتداء أحمد على الزوجتين معا بجنون، بعد مصارحتهما له بالحقيقة، وانتقادهما لاستضافة صديقته المومس في بيت الزوجية، التي أوهمهما أنها فرنسية.

في بيت ماري يلاحظ أحمد أن صديقه توجه إلى الطابق العلوي متجاهلا وجوده، فيعلم منها أنه يشرف على شؤون زوجها، ولمساعدته على إجراء العملية، يعرض عليه بنحمّادي شراء محصول الضيعة للسنة القادمة، وأمام تخوفه، يثير نخوته ليعبر عن حبه لمريم. وبذهاب حليمة إلى المدينة لمتابعة دراستها، تحس عزوزة بالوحدة، فحليمة كانت صديقتها وكاتمة أسرارها، وتتذكر حلم الجمل الذي حكته لها مرارا، حيث الجمل في الحلم يرمز إلى أحمد، لأنه غدار مثل الجمل.

ومع اندلاع المقاومة، يرد المستعمر بالهجوم على الفلاحين بالطائرات، مستغلا تجمعاتهم في الأسواق الأسبوعية، وبإتلاف المحاصيل وإحراق الحقول. أما مريم فترحل مع زوجها إلى فرنسا، مثلما سيغادر مسيو فرانسوا، ويختفى بنحمّادي، ويقابله أحمد مصادفة. يسأله عن الضيعة والمحصول الذي اشتراه، والذي لا أثر له، فيرد عليه بأن المقاومة أربكت كل شيء، ويتهمه أحمد بأنه ورطه في الصفقة، وهو يعلم بأن الفرنسيين كانوا يصفون ممتلكاتهم، ويتهمه بأنه من وشى بالإدريسي (معلم القرية)، وأن حرصه على ممتلكاته الخاصة دفعه إلى خيانة الوطن والأصدقاء.

هكذا ستتبخر ثروة أحمد، ويقرر الرحيل إلى المدينة، ويبيع البيت والمركز التجاري. يغادر القرية بعد أن رفضت أمه- التي عادت للإشراف على أراضيها بعد وفاة الخال - مساعدته لشراء المحصول.

وفي فصل موجع، شديد العذوبة، تصف الزهرة رميج فراق أحمد الأليم لصديقه الأدهم حصانه الذي رفض بيعه للفلاحين، لأن لا أحد سيحسن معاملته، فيقرر بيعه لغريب في السوق، لكن المشتري يفاجئه بأنه سيأخذه إلى المجزرة، ويحاول استعادة الأدهم، لكن الرجل رفض أخذ المال وتهجم عليه وانهال بالسوط على الحصان ليحثه على السير. ويخيم جو الحداد على البيت، فلكل واحد من أفراد الأسرة ذكريات مع الحصان، وبقى أحمد طريح الفراش أياما، في حين تخبر الحمرية عزوزة بأنها ستطلب الطلاق، لأنها لم تعد تتحمل معاملته القاسية ونفوره منها. وفي المدينة، تبقى العلاقة جافة بين الزوجين، وتحس عزوزة بالانكسار حين صد محاولتها التقرب منه، وتصير حليمة صلة الوصل بين الأبوين.

***

يعود السرد إلى حليمة في قاعة الانتظار، وقد غادر الطبيب الجراح غرفة العمليات بوجه مكفهر، فأدركت حليمة أن أمها فارقت الحياة، وتحاول الانتحار، فرغم نجاح العملية، فالأم كانت ترغب في الموت للحاق بزوجها، ولأن حليمة لن تتحمل رحيل أمها، فكانت تفكر في اللحاق بها بالانتحار، دون أن تصارح أمها، التي كانت تحاول إقناعها بالزواج والإنجاب، حتى تجد من يعتني بها في شيخوختها.

تستغرب حليمة كيف أن أمها تحب والدها، رغم كراهيتها المعلنة له، فهو سبب معاناتها في مرض القلب بنفيها من حياته، ومراهقاته المتأخرة مع فتيات في سن بناته، حيث كان يتعمد ترك صوره معهن ظاهرة، وتبلغها العمة هنية بوصية الأب، التي طلب منها ألا تخبر ابنته بها إلا عندما تحس بنهايتها (نهاية العمة) أو نهاية عزوزة. فتعلم حليمة أن والدها أصيب بالعجز الجنسي بعد إفلاسه التجاري.

حتما، سيتعاطف القارئ مع حليمة، وسيقتنع بأن هذا الإرث ذنب في حقها، فبسببه كرهت الحب والزواج، بيد أن ما يربكها هذه الازدواجية في عواطف وتصرفات الأبوين.

وبعد غيبوبة طويلة بالبيت، تجد حليمة نفسها نزيلة مصحة نفسية، حبيسة "الغرفة السوداء"، كما يسمونها هناك، تلك الغرفة المعتمة ليلا ونهارا، ويأمر الطبيب أختها شميشة بجلب أوراق وقلم لها. هكذا ستدفعها رغبتها في البوح إلى الكتابة لاستعادة التوازن، وتحميها أيضا من الانتحار، كما يشرح لها الطبيب، ولأنها كانت الأقرب إلى أمها، فهي لم تكوّن أسرة كبقية إخوتها، وهكذا تبدأ في الكتابة، وتكتب في أعلى الصفحة، وبخط بارز: "عزوزة".

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

مختبر السرديات المغربي يختتم موسمه بالحلم والذاكرة والغياب


في إطار أنشطته الثقافية المتواصلة نظم "مختبر السرديات" بتنسيق مع ماستر الدراسات الأدبية والثقافية بالمغرب لقاءً ثقافيا، دارت فصوله حول موضوع "تخييل التاريخ في الخطاب السردي الروائي المغربي"، الجمعة 13 مايو/آيار 2011، بقاعة المحاضرات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء. وأدارت الباحثة مستحية القاسمي أشغال الندوة التي عرفت مشاركة أربع باحثات حاولن إلقاء الضوء على أدب يرتبط بالتاريخ، يغوص بنا بعيدا في الذاكرة و الغياب.

الورقة الأولى في هذا اللقاء قدمتها الباحثة نادية شفيق، حول رواية "حب على رصيف القرويين" للكاتبة زبيدة هرماس، عنونتها بـ "تاريخية البطل وإشكالية البطل التاريخي"، وترى الباحثة أننا إزاء مغامرة فنية جديدة هاجسها الانتقال من الرواية بوصفها سردا لما حدث، إلى الرواية بوصفها بحثا في ما حدث وتأويلا له، عبر تقنيات تستثمر إمكانات الرواية التقليدية وتتحرر منها في آن واحد. فقد أفصحت الروائية زبيدة هرماس عن رؤيتها التي تتشابك فيها التجارب وتتجاذب فيها الأحداث، متخذة من التاريخ مادتها الأساسية لصوغ خيوط عملها الفني، فهي لم تنقل التاريخ بقدر ما ساوقته مع شخوصها مُعرجة عبر الذاكرة والتداعيات مستحضرة مناخات تلك المرحلة المشكلة لبنية روايتها وشبكة علاقاتها بقصد رصد وفهم التبدل المتسارع، محاولة اقتحام عوالم مغايرة على مستوى الفكرة والحدث وآليات السرد، فتوسلت عبر كل ذلك تصوير الأمكنة كمسجد القرويين، وبناء المشاهد وتركيب الحوارات، ساعية خلف الرغبة في الإمساك بزمام دلالة الألفاظ، في قالب محبوك وهو ما طال الرواية، حيث تعمقت في الأمزجة وصاغت ردود أفعال شخصياتها ونزلت إلى تمفصلات المجتمع المغربي لتخلق نصا إبداعيا ثمرته وحدة التجربة الإنسانية.

واختارت الباحثة كريمة رضواني "شمس الذكرى لا تغيب" عنوانا لمداخلتها التي تمحورت حول رواية "مسك الليل" لسعيد بن سعيد العلوي، معتبرة رواية مسك الليل مخزونا لذاكرة الكاتب الذي عاش على أمل توليدها في قالب روائي، مخزون مفعم بحمولات سياسية تاريخية، يحملها الكاتب في مخيلته ليصور انطلاقا منها واقعه التاريخي، واقع عاشه مجتمعه في فترة معينة، كما رسم فيها جغرافية وعلائق بلده الذي شكل قيمة وأصبح ذا وزن عند غيره من الفرنسيين الذين استفادوا من خيراته وطبيعته ورجالاته، كل ذلك انطلاقا من تطرقه لمجموعة نقط أبرز من خلالها الوضع السائد آنذاك.

وترى الباحثة أن الكاتب لم يعين بطلا لروايته، فكل شخوص الرواية أبطال رجالا ونساء وأطفالا؛ وما هذا في نظرها إلا دليل على الدور البطولي الذي لعبه معظم المغاربة في مرحلة الاستعمار.

تلت، بعد ذلك، الباحثة حسنى كرون مداخلتها تحت عنوان "نفحات الذاكرة في رائحة المكان" لعبدالإله بلقزيز، وهي ترى أن الرواية سيرة أدبية تعريفية لأهم الأجناس الكلامية ولأهم المفاهيم البلاغية مثل البيان والنظم والسجع والنثر والشعر والكتابة والقراءة وأيضا للمفاهيم الفلسفية مثل الوجود الحياة و الحرية. فرائحة المكان هي فعل للتذكر، واسترجاع لزمن ولى من ومضات حياة مليئة بالأحداث وصلتنا عبر الكلام الجميل الذي يرصع اللغة ويهتم بجماليتها وأسلوبها مما يتعذر معه التمييز في الرواية بين النثر والنظم.

الورقة النقدية الأخيرة حول رواية "ذاكرة الغياب" لعبدالعزيز كوكاس، قدمتها الباحثة سميرة مترجي، بعنوان "ذاكرة الغياب: سمفونية الذات والعشق والرحيل"، معتبرة الرواية تجربة إبداعية تثير الجدل والتساؤل حول البوح والعشق والرحيل.

وخرجت ذاكرة الغياب، حسب الباحثة، من أسرار السائد والكائن واتجهت إلى آفاق مغايرة لتعلن العصيان والتمرد على القيم؛ فالرواية تمتلك قدرا هائلا من الوهج والمشاغبة، والحركة والحزن والجمال، والعذاب والغياب.

وفي ختام هذا اللقاء فُتح باب نقاش عميق حول التخييل، كآلية من آليات التعبير والتحويل في الرواية المغربية؛ كما تم التذكير بأن مختبر السرديات هذه السنة قد قارب أزيد من عشرين رواية مغربية متنوعة الأساليب، ويكون هذا اللقاء خاتمة الأنشطة لهذا الموسم حول السرد المغربيfatma_fal_2@yahoo.com

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS